بهاء الدين الجندي اليمني

26

السلوك في طبقات العلماء والملوك

على الاستفادة منها وملء أوقات الفراغ بالاشتغال بها . والخلاصة أن مؤرخنا الجندي بذل المزيد والمزيد من الأتعاب بعرق الجبين وكد اليمين ، ولم يقل يوما ما لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا بل قال : « لقد لقينا من سفرنا هدى وريّا وشبعا من زاد المعرفة » ورجع كما قال الشاعر : ويرجعن من دارين * بجر الحقائب وهو يرشدنا إلى أن قيامه بالرحلات كان للاستفادة بالأسفار ، وإن الإنسان يجني من ورائه كل خير وفائدة مستشهدا بالأبيات المنسوبة إلى الإمام الشافعي التي أولها : تغرب عن الأوطان في طلب العلا * وسافر ففي الأسفار خمس فوائد ولا ريب أن للأسفار فوائد كثيرة ولهذا حضنا اللّه جل شأنه على السير في الأرض وأرشدنا إلى ذلك في غير ما آية منها : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها ، وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [ الملك : 15 ] . ولو لم يكن من فوائد أسفار الجندي إلّا التقاؤه أيضا ( بتاريخ صنعاء ) لابن جرير الصنعاني الزهري فهو أول من نوه به فيما أعلم والتقاؤه بتاريخ الرازي وذلك حينما دخل صنعاء سنة 724 « أربع وعشرين وسبعمائة » . ومن حرص الجندي على تجميع الفوائد أنه إذا أعجز عن السفر والوصول إلى غايته راسل أهل المناطق النائية ليوافوه بما لديهم من المعلومات عن العلماء وأخبارهم . ولأمانة العلم التي تحمّلها الجندي واعترافا منه بالجميل لم يكتم اليد التي أسداها إليه شيخه عثمان بن محمد الشرعبي المترجم له في أثناء كتابه وما قدم له من مادة تاريخية كان له الفضل في الاستعانة بها ألا وهو أن ناوله دفترا حافلا بتراجم ( علماء تعز ) إذ رأى في الجندي العالم النشيط والقوي الأمين وأنه حامل رسالة يؤديها كما ينبغي ؛ كما أدرك أنه أعطى القوس باريها والبيت بانيها . ومما يسترعي الانتباه أن صاحبنا الجندي لم يهتم بتراجم الأدباء والشعراء إلا ما جاء عفوا أو على طريق القافية كما قيل : ولو اهتم بذلك لجاءنا علم وافر ، وكم يترك حسرة في نفس القارئ حينما يذكر مقطوعة شعرية من قصيدة ثم يقول : وهي كبيرة بينما لا نجدها في غيره ويترجم لشخص ويقتصر على قوله : أنه كان شاعرا مفلقا ، ولا يورد من شعره شيئا وكذلك قال في مصنعة « سير » : وقد قيل فيها أشعار كثيرة لم يورد